الصدران والخميني والمنهج الشمولي
الصدران والخميني والمنهج الشمولي
الصدران والخميني ووحدة التوجه يطرح البعض شبهة واتهامات لبعض علماءنا الأعلام من إن كل منهم اهتم وركز على شريحة معينة دون الشرائح الأخرى من طبقات المجتمع، فمنهم من يقول أنّ السيد محمد صادق الصدر(قدس سره) اعتمد في مرجعيته على طبقة التجّارا او الشباب دون النظر إلى باقي الطبقات الأخرى، وان السيد محمد باقر الصدر(قدس سره) قد ركّز أو اعتمد على طبقة الجامعييّن والمثقفين واهمل الشرائح الأجتماعية الاخرى، وان السيد الخميني (قدس سره) قد اعتمد في خطابه على المجتمع جميعا واوصل كلامه الى كل شرائح المجتمع وخاطبهم بلغتهم ، وعلى اساس ذلك نجح وفشل عمل كل من الشهيدين الصدرين (قدس سرهم)
فهل ان فشل الثورة وعدم فشلها مرتبط بصورة واخرى بالارتباط بشريحة معينة يرجى بيان ذلك ولكم منا جزيل الشكر
السيد حسين الياسري


الجواب /


بسمه تعالى ::
الاستفهام عن الاختلاف باللحاظ و النظر والتقييم و المنهج و العمل بين السادة المراجع الشهيد الصدر الأول والشهيد الثاني والسيد الخميني قدس الله اسرارهم ، فإني كثيرا ما قرأت و سمعت عنه و أعتقد أنه راجع إلى الشبهة و عدم الدقة في التقييم و عدم القراءة الموضوعية التامة للوقائع و الأحداث واذكر بعض النقاط ارجو ان تكون مناسبة للجواب وموافقة للواقع الموضوعي ::
اولا :: من الجانب النظري فإن أي مصلح اجتماعي وخاصة مرجعية الولاية الصالحة الهادية لابد و أن تكون نظرتها عامة واسعة شاملة لكل طبقات المجتمع و كل مستوياته الفكرية بل هذا ما يفرضه عليه الشرع ايضا ،و لا يخفى عليك أن الاستفتاءات واجوبتها والرسائل العملية و ما تتضمن من أحكام شرعية فهي شاملة لكل الشرائح الاجتماعية ،و كذلك النهج و الأدب و الارشاد و الامر القرآني شامل لكل الشرائع الاجتماعية ،و هذا ما نجده متجسدا في سيرة النبي الأكرم وآله الأطهار عليهم الصلاة و السلام أجمعين... فإذا كانت الأحكام الشرعية و الإرشادات و الأوامر الأخلاقية عامة لجميع البشر بكل مستوياته الفكرية و المالية و الاجتماعية فبالتأكيد أن هذه الشريعة الإلهية السمحاء و قادتها العظام عليهم الصلاة و السلام سيستقبلون و يتقبلون و يرحبون بكل من يهتدي و من يسير بطريق الهداية و لو كان الاهتداء أو السير ظاهريّا فلا فرق بين المتعلّم و الجاهل ،ولا بين الجامعي وغيره ،و لا بين التاجر و الموظّف و الطالب و غيرهم، و لا بين الشباب و غيرهم، و لا بين الرجل و المرأة، ولا غير ذلك من فروض متصوّرة، و إذا تقبّل الإسلام و النهج الإصلاحي و قائده المصلح كل من يهتدي فإنه بالتأكيد و وفق نهج الأمر و النهي و النصح والإصلاح سيثقّف و يعلم و يرشد كل مهتدي إلى النهج الرسالي في مشروع الإصلاح الإلهي فيكون الجميع سائرا في هذا المسير الرسالي المبارك ، فإذا كان القادة المعصومون المصلحون عليهم السلام وكانت أساسات و قواعد و مبادئ الرسالة الإلهيّة على ما ذكرنا و كانت واضحة و جليّة في النظريّة و التطبيق فإنّه و بكل تأكيد فإنّ المصلح الرسالي و خاصة مرجع الولاية الصالحة سوف يلتفت لذلك و يستوعبه و يسير عليه و يلازمه في التطبيق ومن هنا تتأكّد أنّه لا فرق في المنهج و السلوك بين مصلح و آخر لأنّ منبع الفكر والتشريع واحد ...هذا من الجانب النظري.
ثانيا :: أما من الجانب العملي التطبيقي فإنّك و أي متتبع للوثائق و الأحداث من خلال المعايشة والمتابعة و المشاهدة الشخصية المباشرة أو بواسطة الثقات أو من خلال الاطّلاع على سيرة المصلحين و نهجهم و تعاملهم و تفاعلهم مع المجتمع و أفراده باختلاف مستوياتهم الفكريّة و الاجتماعيّة و الماديّة و غيرها ...و لنسأل أنفسنا مثلا أنّ المرجع الذي يقال عنه أنّه ركّز و اعتمد على طبقة التجّار(مثلا) فهل نجد فعلا عند الاستقراء أنّه فعلا اقتصر على هذه الطبقة واعتمد عليها بصورة كلية او رئيسية واهمل غيرها او لم يركز على غيرها من شرائح اجتماعية ؟؟ و نفس السؤال يطرح بخصوص من يقال أنّه ركّز و اعتمد على طبقة الجامعييّن ..واهمل غيرها من شرائح اجتماعية ...وهكذا .. ؟؟
بالتأكيد فإنّ الجواب الواضح والقول الفصل بأنّه لا يوجد من ركّز على شريحة و اعتمد عليها و أهمل باقي الشرائح أو لم يعطها التركيز و الاهتمام المناسب ..و واقع الحال و السيرة العمليّة للمصلحين تثبت ذلك بوضوح ..إذن فالمصلح يتوجّه في خطابه إلى جميع أفراد المجتمع بكل مستوياتهم .
ثالثا :: أمّا ما نلاحظه من بروز و شياع لمجموعة معيّنة أو شريحة خاصّة في عصر مصلح ما و بروز و شياع غيرها في عصر مصلح آخر فإن تمّ ذلك اللحاظ و القول ..فإنّه لا يرجع إلى نفس المصلح و نهجه و سلوكه بل هو راجع إلى الظروف المحيطة في ذلك العصر و إلى نفس المجتمع و شرائحه و إلى نفس الأشخاص الذين اهتدوا و ساروا في طريق الهداية و الصلاح وكيفية سلوكه وعمله وتحركه ضمن شريحته الاجتماعية او في غيرها ايضا .. وبحسب درجة و مستوى إخلاص كل منهم وعزمه و همّته و اهتمامه و التزامه بما يصدر من مرجعه المصلح من أحكام و أوامر شرعيّة و أخلاقيّة و اجتماعيّة ..و يضاف لذلك نفس المجتمع و كل شريحة من شرائحه بخصوصها و مدى تقبلها لافكار ونظريات وارشادات واطروحات المصلح والذي يعتمد على عوامل عديدة منها مستواها الفكري العام و ثقافتها الدينيّة و قوة إرادتها و شجاعتها و صبرها و نفوسها و قلوبها و صلابتها و نقائها و يقينها و درجة الإيثار و التضحية في سبيل الآخرين و نصرة الدين و غيرها من عوامل يكون لها تأثير في تقبّل الفكر و التفاعل معه و العمل به و هذه تختلف من شريحة اجتماعيّة إلى أخرى و من طرف إلى آخر و من عصر إلى آخر
رابعا:: أودّ التنبيه إلى أمر مهم و هو أنّه من الخطأ الكبير أو الغفلة المستحكمة أنّنا نقتصر في نظرنا و تقييمنا و حكمنا و قراءتنا للأحداث و الوقائع على نتائج ظاهريّة تقع في الخارج و نقيس و نقيّم و نشخّص عمل المصلح ومدى صحّته و تماميّته من خلال من التحق به من أشخاص وكثرة عددهم او قلتهم ، أو من خلال ما تحقّق له من سلطة و دولة في الخارج ،او من خلال تعامل السلطة الحاكمة معه من عداء وتضييق وتعتيم واعتقال وحبس او موادة وتعاون وتسهيل وعطايا وهدايا وتسخير اعلام للترويج له ومرجعيته, فإنّ مثل هذا التقييم و الحكم و القراءة و الإصرار عليه يعني الجهل و الجرأة القبيحة على أولياء الله و أحبّائه من الأنبياء و الأئمّة المعصومين عليهم السلام حيث أن الوحدة أو الفرد الأندر أو القلّة القليلة هي السائدة في حياتهم و سيرتهم و دعوتهم الرساليّة الإلهيّة وفيمن صدقهم والتحق بهم وناصرهم من فرد او افراد من النادر والاندر .. فهل نكون جهّالا ضالّين بالقول أن التقصير كان في المصلح المعصوم (عليه السلام) لأنّه اعتمد على الشريحة الفلانيّة و لم يعتمد على غيرها و أنّه لم يحقّق العدد الكبير من الأتباع و لم يؤسّس الدولة لأنّه لم يكن تامّ النظرية ولم يكن موفق السلوك والتطبيق أو كان ناقص الفكر أو قاصر التشخيص .. أستغفر الله ربّي و أتوب إليه.
خامسا :: دون الدخول في تفصيلات أكثر لعدم الفائدة من طرحها في المقام أو لاحتمال الضرر في طرحها او لوضوح بعضها ، يمكن ان القول ان المتحصل وباختصار :: أن الظروف الاجتماعيّة و الظروف السياسيّة للدولة و النظام الحاكم و الظروف الدولية وتصارع القوى الكبرى و تقاطع مصالحها و نحوها وغيرها كلّها لها مدخليّة في ترتّب ثمار ظاهرية في هذا المجتمع دون غيره ,أو مع هذا المصلح دون غيره , او في هذا الزمان دون غيره ... والله الموفق والمسدد والعالم واسالكم الدعاء

عشرة جمادي الاولى / 1432 هـ