الـ'لا' والـ'لماذا' مرحلتان لا بد منهما لنمو الطفل
«لا» كلمة يردّدها كريم (3 سنوات) في كل مرّة تطلب منه والدته القيام بأمر ما . فهو يقول «لا» عندما يحين وقت النوم، ويردد «لا» عندما تطلب منه غسل يديه قبل تناول الطعام. إنه يمر بمرحلة المعارضة التي هي مرحلة الإعلان عن كيانه المستقل، وهي صعبة بالنسبة إلى الوالدين ولكنها مصيرية بالنسبة إلى الطفل. يشير الاختصاصيون إلى أن الطفل عندما يكون بين السنة الأولى والثلاث سنوات يردد كلمة «لا» لكل ما يطلب منه أو يعرض عليه، لأنه في طور تبديل صورة الطفل الرضيع إلى صورة الطفل المستقل. وتشير مرحلة الاعتراضات إلى خطوات الطفل الأولى نحو تكوين هويته الخاصة.


فما مبررات مرحلة الاعتراضات؟
في بداية حياته يفعل الطفل كل ما تطلب منه والدته، لأنه ووالدته واحد. إنها المرحلة التي تعرف بالمرحلة الانصهارية. ومن ثم يكبر الرضيع ويأتي اليوم الذي يمكنه فيه أن يقول «لا»، ثم يليه اليوم الذي يقول «لا» لكل شيء. ويعتبر هذا اليوم مهمًا، فكلمة لا في البداية هي طريقة يريد الطفل من خلالها القول «أنا أكون». وتكون هذه الفترة من وجود الطفل الخطوة الأولى لوضع الخطوط العامة لشخصيته التي تستمر معه بقية حياته. وفي هذه الفترة أيضًا من نموه يعارض الطفل كل شخص يريد أن يفرض عليه رغبته.

يقول «لا» ثم «نعم»
على الأهل ألا يغضبوا وأن يكونوا صبورين، فالطفل الذي يقول «لا» ينفذ الطلب بعد دقائق. كما لو أن الـ «لا» طريقة ليكتشف ما يفكّر فيه، وفي ما يُطلب منه. فتكون كلمة «لا» لأنه طُلب منه القيام بأمر ما، ومن ثم يقول «نعم» لأنه يريد ذلك فعلاً. إذن يفعل ذلك ليكون شخصًا مستقلاً وليس لأنه صغير يأمره أهله. فمرحلة الـ« لا» مهمة جدًا بالنسبة إلى الطفل. والأساس في التربية احترام الطفل وعدم إرغامه على فعل أمر غير مقتنع به بل على الأهل التفسير له، فالإرغام بالقوة دون معرفة الأسباب يجعل الطفل عنيدًا.

المعارضة ليست مناكفة
ليس من المجدي أن يتعنت الأهل في رأيهم. فمعارضة الطفل لا علاقة لها بإغاظة أهله بل هي تطور أساسي في شخصيته، وعندما يفرض الأهل رأيهم ويجبرون الطفل على تنفيذ طلبهم فإنه يشعر بالحزن لأنهم لم يفهموه، فالكف عن قول «لا» والخضوع الأعمى لهم يعتبران بالنسبة إليه طمسًا لولادة هويته والاستمرار بصفة طفل والديه. وهذا ضد الانفتاح على الحياة التي تدفعه إلى الانفصال عن العلاقة الانصهارية مع الراشدين ليسير نحو الاستقلالية. وبهذا المعنى فإن الطفل الذي يفرض معارضته في مواجهة رغبة الراشدين بتمتع بصحة نفسية جيدة.
وفي مقابل «لا» الطفل على الأهل أن يجعلوا من لاءاتهم ثابتة وحقيقية و لا يجوز لهم التنازل، فالطفل يشعر بالأمان عندما يكون الأهل ثابتين في مواقفهم سواء كانت سلبًا أو إيجابًا.
وترافق لا الطفل مرحلة الـ «لماذا». فيرهق والديه بالأسئلة التي لا تنتهي وكل جواب عن سؤال يولّد سؤلاً جديدًا، وأحيانًا يعجز الأهل عن الإجابة ويقفون حائرين أمام أسئلة الطفل غير المتوقّعة. فهو يريد أن يعرف معنى المرض والموت ولماذا العصفور يطير ويموء الهر أسئلة بعضها يمكن الإجابة عنه وأخرى لا. ويرى الاختصاصيون أن فضول الطفل لإدراك ما يدور حوله هو الذي يدفعه للسؤال عن الكثير من الأمور، وهذا دليل عافية فهو يريد أن يفهم.

ماذا عن أسئلة الطفل التي لا تنتهي؟


اكتشاف العالم
يرى اختصاصيو علم نفس الطفل أن كل تساؤلات الطفل طبيعية، وتظهر مرحلة الـ «لماذا» في سن الثالثة،وهي بداية التواصل الاجتماعي خارج إطار العائلة. فالطفل يبدأ بالانفصال عن العلاقة الإنصهارية مع أهله ويشرع في بناء علاقات اجتماعية مع الآخرين واكتشاف المحيط الخارجي الذي يثير في تفكيره الكثير من الأسئلة. وتُظهر هذه المرحلة تبادل التأثر بالمحيط الخارجي، وهذا شيء إيجابي. وأحيانًا لا يعرف بعض الأهل كيف يتصرّفون و يرتبكون من المواضيع التي يطرحها الطفل، فهم غير مستعدين للإجابة عن كل ما يسأل عنه طفلهم. لذا ينصح الاختصاصيون الأهل بمحاولة إعطاء الجواب المباشر وألا يحاولوا تدوير الزوايا وإعطاء إجابات مبهمة.

لكل سن جوابها
المناسب الإجابات عن الأسئلة يجب أن تكون تبعًا لسن الطفل كي يفهمها. فمن غير المفيد التعمق في التفاصيل عندما يجيب الأهل طفلهم الصغير جدًا، فهو يريد إجابة سهلة وبسيطة ومباشرة. وعلى الأهل ألا يسعوا لشرح كل الأمور فهذا يشوش تفكيره. كما عليهم توقع أسئلته العفوية، وكذلك ليس من المفترض أن يكونوا دقيقين في إجابتهم عندما يتعلّق الأمر بالمواضيع الخاصة بالزوجين، فعندما يسأل الطفل كيف يولد الأطفال يمكن الأهل الرد ببساطة من بطن الماما على أن يفسر له الأمر عندما يصبح في سن يستوعب فيها الأمر.

بناء علاقة ثقة
ينصح الإختصاصيون بألا يراوغ الأهل في أجوبتهم عندما يسأل الطفل عن مواضيع مهمة مثل المرض والموت، فالمراوغة تسبب له قلقًا، لذا عليهم أن يكونوا عفويين وصادقين في أجوبتهم مما يبني علاقة ثقة بينهم وبين طفلهم. فعندما يطرح الطفل الأسئلة فإنما هو يختبر ما إذا كان أهله معصومين من الخطأ ولديهم سلطة أكثر مما يظن. لذا عليهم ألا يشعروا بالذنب إذا لم يعرفوا الجواب، ويمكنهم توجيهه إلى الوسيلة التي تساعده مثل الموسوعة، فبهذه الطريقة يظهرون له أنهم يتفقون معه على أهمية السؤال وأن الفضول ليس أمرًا سيئًا. ويحدث أحيانًا أن لا يكون لدى الأهل كل الأجوبة، مما يعزز الثقة بين الطفل وأهله. كما عليهم ألا يترددوا بمدحه على سعة خياله. فهذا أمر مفيد له، تظهر إيجابياته في المستقبل.